أبو علي سينا
242
الشفاء ( المنطق )
وأمثال هذه الأقاويل هي التي قيلت في التعليم الأول ، ولكن يشبه أن يكون الأمر - على ما قال المعلم الأول بنفسه - من أن بعض هذه الحجج منطقية جدلية ، وإن كان بعضهم يفهم منه أنه يقول إن بعض هذه الحجج لا تختص بالبرهان . والذي يجب أن يصغى إليه من جملة هذه الحجج هو أن العلم بالكلي علم بالقوة بالجزئي ، ومبدأ للبرهان على الجزئي . وأما العلم بالجزئي فليس فيه البتة علم بالكلي . فإن من علم أن كل مثلث فزواياه كذا ، فما أسهل أن يعرف أن متساوي الساقين كذلك . ومن « 1 » علم أن متساوي الساقين كذلك فلا يعلم من ذلك وحده البتة « 2 » أن كل مثلث كذلك . ومثل هذا ما قيل إن البحث باللم يحوج إلى العلم الكلي « 3 » . وأيضا فإن الكلي معقول ، والعلم الحقيقي للعقل . وأما الجزئي فمحسوس والمحسوس من جهة ما هو محسوس لا علم به « 4 » ولا برهان عليه . ثم قيل إن البراهين المأخوذة من أصول ومبادئ ومصادرات موجبة فقط ، وهي التي تبين الموجب ، أفضل من الكائنة عن سوالب . واحتج في ذلك « 5 » بحجج : من ذلك أن تلك « 6 » لا تحوج إلى استعمال الأشياء مفننة مختلفة كثيرة الأصناف ، والبرهان على السلب يحوج إلى ذلك : إذ « 7 » لم تكن السوالب الصرفة تنتج إنتاج الموجبات الصرفة ، بل تنتج إذا خلطت بالموجبات . وإذا أعطينا عللا متوالية في الشيء فإنما نعطي اللمية الحقيقية الواحد منها الأخير « 8 » الذي هو أقرب من المعلول . وليس في تكثير الأوساط فائدة . بل الفائدة في تقليلها والاختصار منها على القريب الملصق بالجملة . فإن العلم الكائن مما هو أقل ، أفضل من العلم الواقع باجتماع أمور كثيرة . فإن الغلط في القليل أقل ، وفي الكثير أكثر . وانحصار المعنى في القليل أكثر ، وفي الكثير أقل . فإذا كان كذلك فالبرهان الذي يجري على سنة واحدة غير مختلفة أفضل من البرهان المتكثر الأجزاء المختلفة . والبرهان الموجب هو من موجبات فقط . والبرهان السالب هو من موجب وسالب « 9 » . فمبادئ الموجب أقل في النوع « 10 » ومبادئ السالب أكثر في النوع وأشد اختلافا . فالموجب أفضل .
--> ( 1 ) س فإن . ( 2 ) س ساقطة . ( 3 ) الأفضل العلم بالكلي . ( 4 ) س ساقطة . ( 5 ) س من . ( 6 ) أي البراهين الموجبة . ( 7 ) س إذا . ( 8 ) الواحد مفعول ثان لنعطي . ( 9 ) س موجبة وسالبة . ( 10 ) لأنها من نوع واحد وهو الموجب . أما القياس السالب فمقدماته من نوعين ، سالبة وموجبة .